قبل الدفنه ب 48 دقيقة
الجزء الثاني: فجر الحقيقة
تصلّب جسدي. وقعُ أقدام رعد على السلم الخشبي كان يقترب، رزيناً وقاتلاً في آنٍ واحد. زهراء اختبأت في حضني، أنفاسها اللاهثة تحت عباءتي كانت هي البوصلة الوحيدة التي تمنحني القوة. لم يكن لدي وقتٌ للتفكير، فالموت الذي كان يتربص بزهراء من خلال الكفن، صار الآن يطرق الباب بصوت "ابني".
فتحتُ الخزانة الخشبية القديمة في زاوية الغرفة، تلك التي تفوح منها رائحة الماضي، ووضعت زهراء بداخلها. "لا نَفَس يا حبيبتي.. لا نَفَس"، همستُ لها وهي تنكمش كعصفورٍ مبلل. أغلقتُ الخزانة، وعدتُ إلى جثة زهراء "الوهمية"؛ حشوتُ الكفن بالوسائد والأغطية بسرعة، وسحبتُ طرف القماش لأغطي الملامح المختفية، تماماً كما كان.
فُتح الباب. وقف رعد ببدلته السوداء، ملامحه كانت خالية من أي مسحة حزن، بل كان يشوبها استعجال غريب. "أمي؟ ماذا تفعلين هنا في الظلام؟" سأل بصوتٍ رتيب. التفتُّ إليه، وضعتُ يدي على قلبي لتمثيل الضعف: "أودعها يا بني.. الوداع مرّ." اقترب خطوات، وعيناه تفحصان الكفن. "الوقت حان، المشيعون بالأسفل والمطر اشتد.. يجب أن ننهي الأمر الآن."
مدّ يده ليحمل "النعّالة"، فتقدمتُ نحوه ومنعتُه بحزم: "اذهب أنت وسأحملها أنا مع نساء الجيران، هكذا تقضي الأعراف في بيتنا يا رعد.. اخرج أنت واستقبل الرجال." لمح في عيني نظرةً لم يعتدها، تردّد للحظة، ثم تراجع وهو يتمتم: "خمس دقائق فقط.. لا تتأخري."
بمجرد إغلاق الباب، لم أنتظر. سحبتُ زهراء من الخزانة، لففتها بعباءتي الإضافية بإحكام، وخرجتُ من باب المطبخ الخلفي الذي يؤدي إلى زقاق ضيق خلف المنزل. المطر كان يغسل وجهي، والبرد يقرص عظامي، لكنني كنتُ أعدو بسرعة لم أعرفها منذ عشرين عاماً.
لم أتجه إلى بيت أحد الأقارب، فكلهم كانوا هناك يرتشفون الشاي بانتظار الجنازة. اتجهتُ إلى "مركز الشرطة" الصغير في طرف الحي. دخلتُ عليهم كالإعصار، بعباءة مبللة وطفلة شبه غائبة عن الوعي بين ذراعي. صرختُ في وجه الضابط: "هذه الطفلة أُعلنت وفاتها بالأمس.. انظر إلى القيود في معصميها!"
صُدم الضابط وهو يرى علامات الأصفاد والحرارة المرتفعة لزهراء. بدأت الحقيقة تتكشف كخيوط العنكبوت؛ رعد كان غارقاً في ديونٍ لا تنتهي، وكان هناك بوليصة تأمين ضخمة على حياة ابنتها، وتواطؤ مع طبيبٍ باع ضميره ليشخّص "سكتة قلبية" زائفة.
عند طلوع الفجر، بينما كان رعد يقف في المقبرة ينتظر وصول "الكفن المحشو بالوسائد"، لم يجد خلفه سوى أضواء الشرطة التي حاصرت المكان. سقط القناع عن وجهه تماماً كما سقط المفتاح من يد الجدة.
زهراء الآن نائمة في سرير المشفى، تمسك بيد جدتها بقوة. نظرت إليّ وابتسمت لأول مرة، بينما كنتُ أراقب الفجر وهو ينبج في سماء النجف، مدركةً أن الحقيقة مهما كُفنت بالظلام، سيأتي يومٌ وينقطع فيه الهمس.. لتصرخ العدالة بصوتٍ عالٍ.