عدت الى المنزل مبكراً الجزء الثاني
جلس أبي واضعاً رجله فوق الأخرى، وبجانبه كريم يوزع نظراته بيني وبين الأوراق، بينما وقفت أمي تراقب المشهد من بعيد وهي تمسح يديها بمريلة المطبخ التي كانت تخص نرجس.
"سليم يا ابني،" بدأ أبي بنبرة هادئة ومصطنعة، "إحنا فكرنا في كلامك بتاع امبارح.. إحنا فعلًا تقّلنا عليك. عشان كده كريم لقى مشروع مطعم صغير هنا في وهران، وده هيخلينا نستقر ونعتمد على نفسنا. بس محتاجين توقيعك كضامن، ومبلغ بسيط كبداية.. إنت عارف إنك السند."
نظرتُ إلى القلم الملقى على الطاولة، ثم إلى الورقة التي كانت عبارة عن تنازل قانوني عن حصتي في أرض ورثتها عن جدي، مغلفاً بصيغة "توكيل عام". التفتُّ إلى كريم الذي قال بخبث: "وقع يا سليم.. عشان نرجس ترتاح وننقل كلنا لمكان أوسع.. ولا تحب نفتح موضوع 'التحويلات البنكية' ونقول لنرجس إنك كنت بتبعت فلوس لناس تانية؟"
في تلك اللحظة، أدركت أنهم لا يسرقون مالي فقط، بل يبتزونني بصورة مشوهة رسموها لي أمام زوجتي. صمتُّ لثوانٍ، شعرت فيها بدموع نرجس وهي تراقبنا من خلف باب المطبخ، خائفة من مواجهة جديدة.
أخذتُ القلم.. وبدلاً من التوقيع، شطبتُ على الورقة بخطوط عريضة ومزقتها أمام أعينهم. "المطعم اللي بتتكلم عنه يا كريم، هو نفسه اللي كنت بتبعت له الفلوس من ورايا عشان تحجز مكان باسمك؟" ساد صمت رهيب. "والتحويلات اللي كنتوا بتعملوها من موبايلي، عندي بيها سجل كامل وتصوير فيديو لكل مرة كنتم بتمدوا إيدكم فيها على حاجة مش بتاعتكم."
تغير وجه أمي من الهدوء إلى الغضب القاتل: "إنت بتراقبنا يا سليم؟ بتخون أهلك عشان خاطر واحدة غريبة؟"
"الغريبة دي هي اللي شالتكم وشالت وسخكم ثمان شهور وصبرت على إهانتكم!" صرختُ فيها لأول مرة في حياتي. "والأهل مبيسرقوش ابنهم ولا بيخططوا يكسروا بيته."
أخرجتُ مفاتيح من جيبي ورميتها على الطاولة. "دي مفاتيح شقة صغيرة أجرتها لكم في طرف المدينة.. مدفوعة لمدة شهر واحد بس. قدامكم ساعة واحدة، الشنط تكون جاهزة، والعربية مستنية تحت."
حاول كريم النهوض والتهديد، لكنني وقفتُ أمامه بصلابة لم يعهدها مني: "لو نطق حرف واحد، التسجيلات دي هتكون في القسم بتهمة السرقة الإلكترونية والتزوير.. اخرجوا بالمعروف أحسن."
ساد السكون بينما بدأوا يلملمون شتات كرامتهم المبعثرة وغادروا البيت بوجوه مسودة من الخزي. أغلقتُ الباب خلفهم، وشعرت بجبلٍ انزاح عن صدري. التفتُّ لنرجس التي كانت تبكي بصمت، اقتربتُ منها وضممتها هي وابني.
"حقك عليا يا نرجس.. البيت ده من النهاردة مش هيكون فيه غيرنا.. والسكوت اللي كان بينا انتهى." نظرت إليّ بعيون لامعة بالأمل، وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ شهور، لم تكن رائحة البيت "حساءً" يحترق أو "إهانة" تُبتلع، بل كانت رائحة البداية من جديد.