ليلة أمس الجزء 2
تجمد ياسين في مكانه، وسقطت ملعقة القهوة من يده لترن فوق البلاط بصوت حاد. لم يكن يجلس على الطاولة سوى والده، عبد القادر، وبجانبه رجلان يرتديان بذلات رسمية بملامح حازمة.
كان عبد القادر ينظر إلى ابنه بنظرة لم يسبق لياسين أن رآها؛ لم تكن نظرة عتاب، بل كانت نظرة احتقار ممزوجة بخيبة أمل قاتلة. "اجلس يا ياسين،" قال عبد القادر بصوت هادئ ومنخفض، وهو الصوت الذي كان ياسين يخشاه أكثر من أي صراخ.
حاول ياسين أن يستعيد نبرة الغطرسة: "ماذا تفعل هنا؟ ومن هؤلاء؟" نهض أحد الرجلين، وأخرج بطاقة تعريف رسمية: "نحن من مصلحة التحقيقات الاجتماعية والقانونية، وبناءً على البلاغ الذي قدمته والدتك ليلة أمس، معززاً بتسجيلات كاميرا المطبخ التي وضعتها هي منذ شهر.. أنت الآن تحت طائلة القانون."
تراجع ياسين خطوة للخلف، ووجهه يميل إلى الصفرة: "كاميرا؟ بلاغ؟ أمي، هل فعلتِ هذا حقاً؟" نظرتُ إليه وأنا أضع إبريق الشاي فوق الطاولة بكل هدوء، وقلت: "تذكر يا ياسين، أخبرتك البارحة أنني أنا من يصرف على هذا البيت، واليوم أخبرك أنني أنا من يملك مفاتيحه. الضربة التي وجهتها لي لم تكسرني، بل أيقظتني من غيبوبة الأمومة التي جعلتني أربّي وحشاً بدلاً من رجل."
أخرج عبد القادر ورقة وضعها أمام ابنه: "هذا قرار من المحكمة بمنعك من دخول هذا البيت لمدة عام، بالإضافة إلى حكم بالعمل الإلزامي في مؤسسة لإعادة التأهيل السلوكي. لقد تنازلت والدتك عن حقها في سجنك بشرط واحد.. أن ترحل الآن وتتعلم كيف تكون إنساناً."
انفجر ياسين بالصراخ: "ستطردينني؟ أنا ابنك الوحيد!" اقتربتُ منه، ولمحتُ في عينيه ذلك الطفل القديم، لكنني هذه المرة لم أضعف. "الابن لا يمد يده على اليد التي أطعمته. اخرج يا ياسين، وعد عندما تعرف معنى 'أمي'."
ساقه الرجلان إلى الخارج وهو يلتفت خلفه، ينادي باسمي، لكنني لم أجبه. جلستُ على الكرسي، وصببتُ كأساً من الشاي لعبد القادر.
الخاتمة: أحياناً، يكون أقسى أنواع الحب هو الفراق؛ فالدلال الذي أفسده لن يصلحه إلا حزم القانون وقسوة الواقع. أدركتُ في ذلك الصباح أن حماية ابني من نفسه كانت أهم من حمايته من السجن، وأن الكرامة لا تُجزأ، حتى لو كان الطرف الآخر هو قطعة من روحك. رحل ياسين، وعاد الهدوء لبيتي في الدار البيضاء، ومع كل رشفة شاي، كنت أشعر أنني لم أفقد ابناً، بل استعدتُ نفسي التي ضاعت لسنوات.