اتصل بي ابني الاكبر الجزء 2
سمعتُ وقع خطواتٍ حذرة بالأسفل، خطواتٍ لا تشبه مشية راشد الواثقة التي اعتدتُ عليها طوال أربعة أيام. كانت الأنفاس التي تقاسمها الصمت معي قادمةً من الأسفل مباشرة، عبر فتحةٍ في أرضية الغرفة كانت مخبأة خلف صندوق ملابس فاطمة.
زحفتُ ببطء حتى وضعتُ عيني على تلك الفتحة، وكان قلبي يقرع طبول الحرب في صدري. رأيتُ راشد في الصالة، لكنه لم يكن راشد "الصهر" المنكسر الذي جاء يشكو تعثر حاله في بورتسودان. كان يرتدي سماعةً لاسلكية، ويمسك بجهازٍ غريب يشبه الماسح الضوئي، ويمرره فوق جدران منزلي بدقةٍ متناهية.
سمعته يهمس في سماعته بلهجةٍ غريبة لم أسمعها منه طوال تسع سنوات: "الموقع مؤمن تماماً.. العجوز نائم، والجهاز لا يعطي أي إشارة لنظام تشفير.. يبدو أن مصطفى لم يترك شيئاً هنا".
في تلك اللحظة، رنّ هاتفي في جيبي مرتعشاً برسالة نصية من مصطفى: "انظر إلى الصندوق الذي تجلس عليه.. ابحث عن البطانة".
بيدين ترتجفان، مزقتُ بطانة صندوق ملابس فاطمة الشتوية، لأجد ملفاً مخبأً منذ ثماني سنوات، يحمل شعار "جهاز الأمن" وعليه ختم "سري للغاية". كان الملف يحتوي على تقارير تثبت أن راشد ليس مجرد مهندس، بل هو عميلٌ تم زرعه في عائلتنا منذ سنوات للوصول إلى بياناتٍ أمنية كان مصطفى يحميها.
فهمتُ الآن لماذا حذرني مصطفى من إخبار راشد، ولماذا صعدتُ إلى هنا. لم يكن راشد يبحث عن إصلاحاتٍ في شقته، بل كان يبحث عن هذا الملف الذي وضعه مصطفى في عهدة أمه قبل رحيلها، لعلمه أن أحداً لن يجرؤ على نبش ذكريات فاطمة.
فجأة، توقفت الخطوات بالأسفل. ساد صمتٌ مخيف، ثم سمعتُ صوت راشد ينادي من أسفل السلم بنبرةٍ باردة جعلت فرائصي ترتعد: "عمي عبد الرحيم؟ أعلم أنك لست نائماً.. هل صعدت لتجلب لليلة شتاءٍ باردة بعض الذكريات من صندوق فاطمة؟".
حبستُ أنفاسي، وأمسكتُ بالملف بقوة، مدركاً أنني في مواجهةٍ لم أخترها، لكنني سأخوضها لحماية إرث ابني وذكرى زوجتي.
الخاتمة: في تلك الليلة، أدركتُ أن البيوت لا تُبنى فقط من الحجارة، بل من الأسرار التي نحملها لحماية من نحب. لم يكن راشد يعلم أن "العجوز" الذي استخف به، يملك شجاعةً استمدها من سنوات صمته. ومع أول ضوء للفجر، وصلت قوات الأمن التي استدعاها مصطفى، ليُساق راشد مكبلاً، ليس كصهرٍ خائن فحسب، بل كغرباءٍ حاولوا سرقة سكينة بيتنا. بقيتُ وحدي مع الصندوق، أتنفس بعمق، مدركاً أن فاطمة كانت دائماً تحمينا، حتى وهي في غيابها.