في الثانيه فجراً الجزء 2
كان خط سليم، متعرجاً كما لو كُتب على عجل وفي ظلام دامس. قرأت الكلمات المكتوبة بمداد جاف: "يا دينا، إذا وقعت هذه الورقة في يدك، فاعلمي أن الرائد حسام ليس الصديق الذي ظنناه. لقد اكتشفتُ أمراً في سجلات أراضي الجبل لم يكن عليّ معرفته، وهو يحاول إسكاتي بأي ثمن. أنا ذاهب للكوخ لأخفي الأوراق الأصلية، وسأحاول العودة قبل الإعصار. إذا حدث لي مكروه، ابحثي تحت بلاط الكوخ القديم.. احذري، الشرطة تراقب كل شيء."
تجمد الدم في عروقي. حسام، الذي مسح دموعي وواسا ابنتي طوال خمس سنوات، كان هو الشخص الذي يختبئ خلف مأساتي. نظرتُ إلى ليان التي كانت تنتحب بصمت، فأدركتُ أنني أمام مواجهة لم أحسب لها حساباً. لم تكن السيارة ضحية الإعصار، بل كانت ضحية تلاعبٍ شيطاني لم يرحم أباً وأبناءه.
لم أنتظر الصباح. ارتديتُ عباءتي وأخذتُ ليان ومفتاح السيارة القديمة. "إلى أين يا أمي؟" سألتني بذعر. قلتُ لها بحزم لم أعهده في نفسي: "إلى الكوخ.. سننهي هذا الكابوس الآن." صعدنا الجبل في عتمة الليل، والطرق الوعرة تذكرني بكل لحظة ألم عشتها. حين وصلنا، كان الكوخ مهجوراً، والرياح تصفر بين شقوق جدرانه الخشبية.
بدأتُ أنبش الأرضية بجنون حتى وجدتُ البلاطة المقصودة. رفعتها لأجد ملفاً بلاستيكياً محمياً من الرطوبة، يحتوي على خرائط وعقود تثبت استيلاء حسام على مساحات شاسعة من أراضي القرية بطرق غير قانونية. في تلك اللحظة، سمعتُ صوت محرك سيارة يقترب.. وصوت خطوات ثقيلة فوق الحصى.
تراجعنا إلى زاوية مظلمة، ودخل حسام الكوخ وبيده مصباح يدوي، يوجه نوره في كل اتجاه. قال بنبرة هادئة ومرعبة: "كنتُ أعلم أنكِ ستأتين إلى هنا يوماً يا دينا.. ليان ذكية جداً، تماماً مثل سليم."
الخاتمة: لم يستطع حسام إكمال تهديده؛ فقد كانت ليان قد ضغطت على زر "البث المباشر" في هاتفها منذ لحظة دخولنا، وكان نصف أهالي القرية يشاهدون المواجهة. وصلت سيارات الشرطة من العاصمة، ليسكتوا حسام ويقيدوه بالأغلال. استعدتُ حق سليم، وأدركتُ أن الحقيقة لا تموت بالإعصار، وأن ابنتي الصغيرة كانت هي البطلة التي أعادت الكرامة لعائلتنا المفقودة. نزلنا من الجبل مع خيوط الفجر الأولى، وأنا أشعر أن أرواح سليم وأولادي قد استراحت أخيراً.