تركت امي الجزء 2

لمحة نيوز

بعد سماع كلمات الطبيب ورؤية تلك العلامات على معصم سميرة، شعرتُ وكأن القصبة بكل جدرانها العتيقة ضاقت عليّ حتى انقطع نفسي. لم يكن آدم وحده من يحترق بالحمى، بل كانت كرامتي ورجولتي تحترقان بنار الغدر التي أشعلها أقرب الناس لي.

تركتُ سميرة في عناية الأطباء، وعدتُ إلى المنزل والشرطة تتبعني في صمت. دخلتُ البيت، فوجدتُ أمي تجلس في مكانها المعتاد، تضع ساقاً فوق أخرى وبيدها سبحتها، بينما كانت أختي تتصفح هاتفها بلامبالاة.

"أين هاتف سميرة؟" سألتُ بصوتٍ منخفض، هدوء ما قبل العاصفة. نظرت إليّ أمي ببرود وقالت: "أخذته لكي ترتاح من رنينه المزعج.. كانت تتباكى وتدّعي التعب لتتهرب من واجباتها كأُم، فأردتُ تأديبها قليلاً لكي تعرف أن بيت يوسف بن سالم له أصول".

في تلك اللحظة، تقدم ضابط الشرطة وطلب منها النهوض. صرخت أختي: "ماذا تفعلون؟ هل ستصدقون تلك الغريبة وتكذبون أمكم؟" لكنني لم أرد بكلمة واحدة، بل أخرجتُ من جيبي قطعة القماش التي وجدتُها مربوطة في سرير سميرة وقدمتها للضابط كدليل.

سيقت أمي وأختي إلى المركز، بينما بقيتُ أنا وحدي في البيت الذي سكنه الظلم لأربعة أيام. بدأتُ أجمع ثياب سميرة وآدم، وقررتُ ألا أعتب هذا المكان مرة أخرى ما دمتُ حياً. لقد وعدتُ سميرة في المستشفى ألا يؤذيهما أحد، ونسيتُ أن الأذى قد يأتي من تحت عباءة "التربية" الزائفة.

مرت أيامٌ صعبة في المستشفى؛ سميرة كانت تستيقظ مذعورة، تبحث عن آدم وتتحسس معصميها وكأن الحبال لا تزال تطوقهما. أما آدم، فقد تجاوز مرحلة الخطر، لكن صرخته الضعيفة كانت لا تزال ترن في أذني كأنها عتابٌ لي لأنني تركتُه.

الخاتمة: عندما حان وقت الخروج، لم نعد إلى القصبة. استأجرتُ شقة صغيرة بعيدة عن كل من عرفناهم، شقة ملأتها بالشمس والهدوء. أمي وأختي واجهتا عقوبات قانونية، لكن العقوبة الأكبر كانت حرمانهما من رؤية آدم للأبد. تعلمتُ أن بر الوالدين لا يعني السكوت عن كسر القوارير، وأن رجولة يوسف بن سالم لا تكتمل إلا بكونه حصناً لزوجته قبل أن يكون ابناً مطيعاً للظلم. الآن، في كل صباح، أُحضر القهوة لسميرة وهي تحتضن آدم، وأشعر أنني أخيراً بدأتُ أفي بوعدي.

تم نسخ الرابط