امضت امي ثمان سنوات الجزء 2

لمحة نيوز

قدتُ السيارة بلا وعي، الشوارع المضاءة في بحري تتدفق حولي كشريط سينمائي مشوش. عقلي عاجز عن معالجة الحقيقة: مصعب حي. مصعب يعمل في دكان بسيط. مصعب يخاف من أبي. والجملة الأخيرة في الورقة تحفر مجرى من الرعب في قلبي: "أمي في خطر".

كيف يمكن لأبي، الرجل الهادئ، المنضبط، الذي كرس حياته لعمله وعائلته، أن يكون مصدراً للخطر؟ ولماذا وافق على دفن جثة غريبة على أنها ابنه؟ التفاصيل الصغيرة بدأت تطفو على السطح الآن؛ استعجاله في الدفن، رفضه القاطع لأي نظرة وداع، بكاؤه المدروس... كل شيء كان مسرحية، وأنا وأمي كنا الجمهور المخدوع.

وصلتُ إلى الديوم الشرقية قبل الموعد بنصف ساعة. ركنتُ السيارة بعيداً، ومشيتُ مطرقاً رأسي، أتلفّت خلفي كل دقيقة كما طلب مصعب. المنزل رقم 12 كان قديماً، طلاؤه متقشر، ويقع في نهاية زقاق ضيق.

عند الحادية عشرة والنصف تماماً، انفتح الباب قليلاً. سحبتني يدٌ قوية للداخل، وأُغلق الباب خلفي بالمزلاج. كان الظلام دامساً، حتى أضاء مصعب شمعة صغيرة وضعت على طاولة متهالكة.

"شكراً لأنك جئت،" قال مصعب، وبدت الندبة قرب ذقنه أكثر وضوحاً في ضوء الشمعة.

لم أتمالك نفسي؛ ارتميتُ عليه وعانقته بقوة، وبكيتُ بحرقة. كان حقيقياً، لحماً ودماً. مسح على ظهري بيده الخشنة، وقال بصوت مخنوق: "اشتقتُ لكم.. والله اشتقتُ لكم."

بعد أنهدأت ثورتي، جلسنا على الأرض. سألته بلهفة: "ماذا حدث؟ لماذا؟"

تنهد مصعب، وبدأ يروي قصة لم أتخيلها في أسوأ كوابيسي: "قبل ثماني سنوات، اكتشفتُ بالصدفة أن أبي متورط في شبكة تهريب أدوية فاسدة عبر الحدود. كان يستخدم منصبه وعلاقاته لتسهيل مرور الشحنات. عندما واجهته، لم ينكر. قال إنه يفعل ذلك لتأمين مستقبلنا. رفضتُ، وهددته بإبلاغ السلطات."

توقف مصعب، وابتلع ريقه بصعوبة: "في الليلة التي قيل إنني مت فيها، لم يكن حادثاً. لقد حاولوا تصفيتي. السيارة التي احترقت كانت خطة بديلة أعدها أبي مع شركائه. وضعوا فيها جثة شخص مجهول الهوية، وساعتي وسلسلي. أبي هو من دبر كل شيء ليُقنع الجميع بموتي، وليحميكِ أنتِ وأمي من الشبكة التي كانت ستهددكم لو عرفتم الحقيقة أو لو قُبض عليه."

صعقتُ. أبي مهرب؟ أبي حاول تزييف موت ابنه؟ "ولماذا تقول إن أمي في خطر الآن؟" سألته وركبي ترتجف.

أجاب مصعب وعيناه تلمعان بالخوف: "الشبكة اكتشفت أنني ما زلت حياً قبل أيام. هم يظنون أنني أملك أدلة تدينهم. لقد هددوا أبي بوضوح: إما أن يجدني ويقضي عليّ بنفسه لثبات ولائه، أو سيقتلون أمي ليكون درساً له ولغيره. أبي الآن يبحث عني بيأس، ليس حباً بي، بل لينفذ أوامرهم ويحمي نفسه ويحميكِ وأمي بطريقته الملتوية."

نهض مصعب بسرعة: "لا وقت نضيعه. يجب أن ننقل أمي إلى مكان آمن فوراً، دون أن يشعر أبي. إذا عرف أنك وجدتني، سيضغط عليك لتعرف مكاني، وإذا رفضت، قد يؤذيك."

الخاتمة:

في تلك الليلة، لم نعد إلى المنزل في أم درمان. اتصلتُ بأمي من هاتف عام، وأخبرتها بصوت مرتجف أنني تعرضتُ لحادث بسيط وأنني في مستشفى ببحري وأحتاجها بجانبي. لحسن الحظ، كان أبي في اجتماع عمل مسائي. عندما وصلت أمي، ورأت مصعب واقفاً أمامها، لم تصرخ، بل سقطت مغشياً عليها من شدة الصدمة.

نقلناهما، مصعب وأمي، إلى منزل صديق موثوق خارج الخرطوم. وفي الصباح، توجهتُ إلى مقر جهاز الأمن والمخابرات، ليس لتبليغ الشرطة التي قد تكون مخترقة، بل لتسليم الأدلة التي كان مصعب قد احتفظ بها طوال هذه السنوات في مكان سري.

تم القبض على أبي وشبكته في عملية خاطفة. رأيته مكبلاً بالأغلال، ووجهه خالٍ من أي تعبير، تماماً كما كان يوم جنازة مصعب المزيفة. خسرنا أباً، لكنني استعدتُ أخاً، واستعادت أمي روحها. والآن، نجلس ثلاثتنا في منزلنا الجديد، بعيداً عن ذكريات أم درمان المؤلمة، نحاول أن نرمم ما كسرته سنوات الكذب والخوف، ممتنين لتلك الليلة التي ساقني فيها القدر إلى دكان صغير في بحري.

تم نسخ الرابط