تركت امي مع زوجتي الجزء 2

لمحة نيوز

توقفت الأرض عن الدوران تحت قدمي. الطبيب ينظر إليّ بانتظار رد، وسميرة ممددة أمامي كجثة هامدة، وعلى معصميها النحيلين علامات زرقاء وحمراء محفورة بعمق... علامات تقييد واضحة.

"يوسف..." جاءني صوت أختي من خلفي، كانت قد تبعتني إلى المستشفى متبخترة ببرودها المعتاد. قبل أن أنطق بحرف، اقتربت أمي من الطبيب، وبنبرة عابسة ومستنكرة، قالت كلمات تجمدت لها الدماء في عروقي: "يا دكتور، هذه المرأة مريضة! لقد خشينا على الطفل منها، فاضطررنا لربطها لثلاثة أيام لحماية آدم! نحن كنا نقوم بواجبنا كأهل!".

سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة. أمي وأختي... ربطتا زوجتي لثلاثة أيام في غرفة باردة، ومنعتاها من إرضاع طفلها، وتركتاه ليعاني من الجوع والحمى... كل ذلك تحت مسمى "الحماية"؟. في تلك اللحظة، لم أرَ أمي، بل رأيت وجوهاً غريبة سكنت بيتي. لم أعد أسمع بكاء آدم، بل صرخة صامتة خرجت من روحي المهشمة. التفتُّ نحو الطبيب، الذي كان ينظر إليّ بنظرة ملؤها الشك، وقلت بصوت حازم: "اتصل بالشرطة".

بدأت التحقيقات، وانكشفت الحقيقة المروعة. أختي كانت تحرض أمي، مدعية أن سميرة "تتدلل" بمرضها بعد الولادة، وأنه يجب كسر شوكتها. استغلتا غيابي لتنفيذ هذا المخطط السادي. كانتا تتناولان الطعام والشراب بينما سميرة مقيدة بجانب سرير طفلها، عاجزة حتى عن لمسه لتخفف من روعه.

أمي وأختي واجهتا تهم الاعتداء والتعذيب. لم يشفع لهما ادعاء "الخوف على الطفل"، فالقانون لا يعترف بالهمجية. استعادت سميرة وعيها بعد أيام في العناية المركزة، لكنها لم تعد أبداً تلك المرأة الرقيقة التي عرفتها؛ فقد سكن الخوف عينيها، وأصبح صمتها عميقاً ومؤلماً، كأنها لا تزال تنتظر من يفك وثاقها.

أما آدم، فقد نجا بمعجزة طبية، لكنه يحمل في داخله أثر تلك الأيام الأربعة التي حُرم فيها من دفء أمه. قررتُ الابتعاد تماماً عن عائلتي، واستأجرت بيتاً في طرف المدينة، بعيداً عن ذكريات القصبة المؤلمة.

الخاتمة: أقف الآن وحيداً وسط حطام عائلتي، ممتلئاً بالذنب والندم على ثقتي العمياء. لقد أدركتُ متأخراً أن الأذى قد يأتي من اليد التي كان من المفترض أن تمسح دموعنا. وعدتُ سميرة ألا يؤذيهما أحد، وقد وفيتُ بوعدي أخيراً، ولكن بعد أن دفعنا جميعاً ثمناً باهظاً من أرواحنا وسلامنا. البيت الجديد هادئ، لكن صدى بكاء آدم في تلك الغرفة الباردة سيظل يطاردني إلى الأبد.

تم نسخ الرابط