انجبت وانا في الواحدة والاربعين من عمري الجزء 2
كانت سنوات ياسين الأولى هي معركتي الحقيقية؛ كنت أعمل في وظيفتين، أعود في المساء وجسدي يرتجف من التعب، لكنني عندما أنظر إلى عينيه الذكيتين، كنت أستمد قوة لا أعرف مصدرها. كلمات محمود "لن يفلح" كانت الوقود الذي يحرق يأسي ويحوله إلى إصرار. لم أكن أريد لياسين أن يكون مجرد طفل ناجح، كنت أريده أن يكون برهاناً حياً على أن "ابن العجوز" يمتلك من الحكمة والذكاء ما لا تدركه العقول الفارغة.
أما محمود، فقد انقطعت أخبارنا تماماً. سمعتُ من بعيد أنه افتتح شركة مقاولات كبرى بمشاركة والد "ندى"، وأن حياته أصبحت صخباً وحفلات وصوراً على مواقع التواصل، حيث كانت ندى تتباهى بكل قطعة ألماس يشتريها لها، وكأنها تعلن انتصارها على "القطار الذي فاتني".
مرت 15 سنة.. وياسين الآن في ريعان شبابه، يقف أمام مرآته يرتدي بدلة رسمية، فقد أصبح نابغة في البرمجيات والأمن السيبراني رغم صغر سنه. دُعينا لحفلة تكريم كبرى تنظمها وزارة التكنولوجيا لتكريم المبدعين الشباب والشركات الراعية، ولم أكن أعلم أن القدر قد أعد المسرح لرد الاعتبار.
دخلنا القاعة الفخمة، وكان الزحام شديداً. وفجأة، لمحتُه.. كان محمود يقف في ركن بعيد مع ندى، التي بدت ملامحها قد تغيرت بفعل عمليات التجميل المبالغ فيها، وعلامات الضجر والتوتر واضحة بينهما. لم يعودا ذلك الثنائي "المنطلق"؛ بل بدا محمود أكبر سناً بكثير مما هو عليه، ملامحه منكسرة رغم البدلة الفاخرة.
بدأت مراسم التكريم، وصعد وزير التكنولوجيا إلى المنصة وقال بصوت جهوري: "نحن اليوم لا نكرم موهبة فحسب، بل نكرم العقل الذي أنقذ أهم قطاعات الاستثمار في بلدنا من أكبر عملية اختراق وتدمير رقمي شهدتها شركات المقاولات الكبرى الأسبوع الماضي.. نرحب بالمهندس الشاب ياسين محمود".
تسمر محمود في مكانه، وسقطت الكأس من يد ندى لتتحطم على الأرض. صعد ياسين بخطوات واثقة، تسلم درع التكريم، ثم أمسك بالميكروفون وقال بهدوء: "أهدي هذا النجاح لامرأة واحدة.. أمي التي قيل لها يوماً إن ابنها لن يفلح لأنه جاء من امرأة 'عجوز'.. شكراً لكِ لأنكِ لم تتركيني للجهل والقسوة".
في تلك اللحظة، انهار كل شيء لمحمود في ثلاث ثوانٍ. لقد أدرك أن الشركة الكبرى التي كان يتباهى بها، والتي تعرضت للاختراق وكادت تفلس تماماً الأسبوع الماضي، لم ينقذها إلا هذا "الطفل" الذي تركه خلفه. ندى، التي كانت بجانبه، بدأت تصرخ عليه بكلمات مهينة أمام الجميع لأن "سمعة الشركة تدمرت"، وهو لم يستطع الرد بكلمة واحدة.
نظر إليّ محمود من بعيد، كانت عيناه مليئتين بالهزيمة والندم، حاول الاقتراب، لكن ياسين وضع يده على كتفي واستدرنا لنمشي بعيداً. لم أكن بحاجة لقول كلمة واحدة؛ فنجاح ابني كان أبلغ رد، وضياع سنوات عمره خلف بريق زائف كان أقصى عقاب. لقد "فلح" ابن العجوز، وانتهى "قطار" الخيانة في محطة الخزي.