ابني بهدلني

لمحة نيوز

اللي واقفة في طريق مستقبل ابنك!
صوتها وصل لكل اللي حوالينا.
المزرعة دي بتاعة أحمد. إنتي عندك 68 سنة! لحد إمتى فاكرة إنك هتقدري تديري كل الأرض دي لوحدك؟
القاعة بدأت تسكت واحدة واحدة.
الكلام وقف.
الشوك والسكاكين سكتت.
والكراسي بدأت تلف ناحيتنا.
سارة وقفت مكانها في آخر القاعة.
وأحمد مسك ظهر كرسي قدامه بإيده.
أنا بهدوء حطيت فنجان القهوة على الترابيزة.
ومديت إيدي جوه شنطتي ولمست عقد الثقة المكون من 42 صفحة.
وبصيت مباشرة لسارة.
وقلت
وأنا عرفت كل حاجة عن شركة ريدجريست للتطوير العقاري يا سارة.
اللون اختفى من وشها تمامًا.
أحمد لف ناحيتها ببطء.
وصوته كان مليان حيرة
أي شركة تطوير؟
مديت إيدي جوه شنطتي.
وطلعت أول إيميل مطبوع.
فتحته قدامهم.
القاعة كلها سكتت.
سارة كانت بتبص للورقة اللي في إيدي وكأنها شافت شبح.
وبينما ابني واقف قدامي، وعيلته كلها حوالينا، وكل الناس اللي عرفونا سنين بتتفرج
بدأت أقرأ بصوت عالي الرسالة اللي هي كتبتها قبل ما تمشي ناحيته على المذبح بست شهور
ولأول مرة، أحمد بدأ يفهم إن أمه ماكانتشي بتمنعه من مستقبله كانت بتحميه
من الحقيقة اللي مراته مخبياها فتحت الورقة قدامهم، وبدأت أقرأ
إلى السيد دانيال كولمان، مدير شركة ريدجريست للتطوير العقاري أعتقد إن الأرض ممكن تكون متاحة للبيع بعد الزواج مباشرة، خصوصًا إن جمالة منصور كبيرة في السن، وابنها هو الوريث الوحيد المتوقع
وقفت لحظة.
بصيت لأحمد.
وشه كان متجمد.
سارة حاولت تقاطعني
ماما جمالة، الرسالة دي مش معناها اللي إنتي فاهمة!
رفعت عيني عنها وقلت
لسه ماخلصتش.
وسكتت.
قلبت الصفحة.
أحمد مقتنع إن والدته هتسمح له بإدارة الأرض بعد الزواج. المهم إننا نقدر نبدأ إجراءات التقييم قبل ما تعرف
أحمد انتفض من مكانه.
إنتي كنتي بتخططي تبيعي الأرض من ورايا؟!
سارة بصت له بسرعة
أحمد، اسمعني!
لكنه لأول مرة ماكانش بيسمعها.
أنا كملت قراءة.
لو تمت الصفقة، القيمة المتوقعة تتجاوز 8 ملايين دولار. أعتقد إن أفضل طريقة هي إقناع جمالة بالانتقال للمدينة، ثم تولي أحمد الإدارة بشكل كامل.
نادية شهقت.
حد من آخر القاعة قال
يا ساتر
لكن أحمد كان لسه مركز مع سارة.
إنتي كتبتي الكلام ده؟
سارة بدأت تبكي.
أنا كنت بحاول أساعدنا!
ضحكت بهدوء.
تساعديكم؟
رفعت الورقة.
ولا تساعدي نفسك؟
وفجأة، رن موبايلي.
رقم غريب.
بصيت للشاشة.
المحامي محمود.
رديت.
أيوه يا محمود؟
جالي صوته متوتر
جمالة، ماتوقعيش أي ورقة مهما حصل. في حاجة لازم تعرفيها.
بصيت للقاعة.
إيه؟
سكت ثانيتين.
ثم قال
أنا راجعت ملف الشركة اللي اسمها ريدجريست.
قلبي بدأ يدق أسرع.
ومالها؟
قال
الشركة دي مش مجرد شركة تطوير.
نظرت لأحمد.
ثم لسارة.
أمال إيه؟
قال محمود بصوت منخفض
الشركة دي مرتبطة بشخص كان بيتعامل مع حسن زمان.
تجمدت.
اسم حسن وحده كان كفيل يرجعني عشرين سنة لورا.
قلت
مين؟
محمود قال الاسم.
وللحظة، حسيت إن الأرض نفسها اختفت من تحت رجلي.
لأن الاسم ده
كان اسم الرجل الوحيد اللي اتهمه حسن قبل موته بأنه سرق منه ملفات مهمة تخص المزرعة.
الرجل اللي اختفى من حياتنا في نفس السنة اللي مات فيها حسن.
الرجل اللي كنت فاكرة إنه
مات من زمان.
لكن محمود قال
جمالة الراجل ده عايش.
وسكت لحظة قبل ما يضيف
والأخطر إنه ظهر من جديد من حوالي سنة.
نظرت لسارة.
كانت واقفة ووشها شاحب.
ثم نظرت لأحمد.
كان لسه مش فاهم.
قلت
محمود، إنت متأكد؟
رد
للأسف آه. وفي حاجة أسوأ.
إيه؟
ريدجريست قدمت طلب رسمي للحصول على خرائط ومسح للأرض قبل شهرين.
اتسعت عيني.
قبل شهرين؟
أيوه.
نظرت لأحمد.
قبل شهرين بالضبط
كان أحمد قد طلب مني مفتاح المخزن القديم.
وقال لي وقتها إنه محتاج يصور بعض المعدات.
لكنني رفضت.
وقتها زعل مني.
والآن فهمت لماذا.
وضعت الهاتف على الطاولة.
وسألت أحمد
إنت كنت بتدخل المخزن القديم من غير إذني؟
فتح فمه.
لكن ماطلعش صوت.
سارة بصت له.
وبصوت مرتجف قالت
أحمد قول لها الحقيقة.
التفت لها بسرعة.
إنتي عارفة؟
سارة ما ردتش.
وهنا عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد محاولة بيع الأرض.
أخرجت مفتاحًا صغيرًا من حقيبتي.
مفتاح المخزن القديم.
وقلت
أنا هفتح المخزن النهارده.
أحمد حاول يقرب مني.
ماما، استني
رفعت إيدي.
لأ.
ثم بصيت له في عينه.
المرة دي أنا اللي هسأل وإنت اللي هتجاوب.
خرجت من القاعة.
لكن قبل ما أوصل للباب، سمعت صوت سارة وهي بتتكلم مع أحمد في همس.
ماكانوش عارفين إن باب القاعة لسه مفتوح.
قالت
لو دخلت المخزن هنكون انتهينا.
وقفت مكاني.
ولأول مرة منذ موت حسن
خفت فعلًا من اللي ممكن ألاقيه هناك ثبتُّ نفسي مكان ما أنا، وحاولت ما أطلعش أي صوت.
فوق رأسي، سمعت أحمد يقول
أنا مش هقدر أكذب عليها أكتر من كده.
رد عليه صوت الرجل
أنت مش مطالب تكذب. أنت مطالب تنفذ الاتفاق اللي وقعت عليه.
قلبي انقبض.
اتفاق؟
أحمد وقع على إيه؟
سارة قالت بصوت مرتجف
إحنا اتفقنا إننا هنلاقي طريقة ناخد الإدارة، مش إننا نبيع الأرض من غير علمها!
الرجل رد ببرود
الأرض مش هتتباع من غير علمها. هي هتوقّع بنفسها.
سكتوا.
ثم قال أحمد
وإزاي؟
ضحك الرجل.
بالضبط زي ما اتفقنا.
اتجمدت.
هي هتوقع بنفسها.
كنت أسمع أنفاسهم فوقي.
وبعدين الرجل قال
بعد اللي حصل
في الفرح، أمك هتكون مستعدة تتنازل عن الإدارة علشان تريح نفسها من المشاكل.
أحمد رد
بس أمي مش ضعيفة.
عارف.
ومش هتسيب المزرعة.
عارف.
يبقى الخطة مش هتنفع.
الرجل سكت لحظة.
ثم قال
علشان كده عندنا الخطة التانية.
سارة سألت
إيه الخطة التانية؟
سمعت صوت ورق بيتفتح.
وبعدين الرجل قال
تقرير طبي.
نفسي اتقطع.
تقرير طبي مزور يثبت إنها لم تعد قادرة على إدارة المزرعة.
حطيت إيدي على فمي علشان ما أصرخش.
أحمد قال بسرعة
لأ.
الرجل رد
إنت وافقت.
أنا وافقت على إدارة الأرض، مش على تزوير تقرير طبي لأمي!
الفرق مش كبير.
بالنسبة لي كبير.
سارة قالت
أحمد، اهدى.
لكن أحمد صرخ
إنتي كنتي عارفة بالخطة دي؟
ماسمعتش ردها.
وبعدين الرجل قال
كفاية.
صوته كان حاد.
لو اتخانقتوا دلوقتي، كلنا هنخسر.
بدأت أفتكر كل حاجة.
الأسئلة الكتير عن صحتي.
سارة وهي بتسألني أكتر من مرة إذا كنت بحس بدوخة.
أحمد لما أصر إني أروح لطبيب معين وقال لي إنه متخصص جدًا.
كنت فاكرة إنهم خايفين عليّا.
طلعوا بيجهزوا حاجة تانية.
لكن قبل ما أقدر أفكر في طريقة أخرج بيها، سمعت صوت خطوات نازلة على السلم.
واحد منهم كان نازل.
النور من فوق ظهر على أول درجات السلم.
اتراجعت بسرعة.
دخلت خلف رف خشبي قديم.
الرجل نزل.
خطوة.
خطوتين.
ثلاثة.
كان طويلًا.
ولابس جاكت أسود.
وصل لآخر درجة.
ثم وقف.
بص حوالين الغرفة.
أنا كنت حابسة أنفاسي.
اقترب من المكتب.
فتح الدرج.
بدأ يدور.
ثم قال بصوت منخفض
الورقة مش هنا.
رد أحمد من فوق
يمكن أمي نقلتها.
الرجل قال
مستحيل.
وبعدين فتح الصندوق المعدني.
اتسعت عينه.
قال
فين الملف؟
أنا كنت ماسكة الملف بإيدي.
الملف اللي فيه رسالة حسن.
الملف اللي هما كانوا بيدوروا عليه.
الرجل بدأ يفتش بعنف.
وفجأة
رفع رأسه.
بص ناحية الرف اللي أنا مستخبية وراه.
وقال
جمالة؟
تجمدت.
عرف إني هناك.
خطوة واحدة منه كانت كفاية إنه يوصل لي.
لكن في اللحظة دي
سمعت صوت سيارة بتقف قدام المخزن.
وصوت محمود المحامي من الخارج
جمالة! إنتي هنا؟
الرجل
تجمد.
أحمد قال من فوق
المحامي وصل!
الرجل رجع خطوتين.
وبص للملف اللي في إيدي.
وقال
خلي بالك يا جمالة
صوته كان هادي بشكل مخيف.
لو خرج الملف ده من المزرعة، مش هتخسري الأرض بس.
ثم اندفع ناحية السلم.
وأنا خرجت من مخبئي.
مسكت الملف بقوة.
لكن قبل ما أطلع، لفت نظري شيء صغير سقط
من جيب الرجل وهو بيهرب.
قطعة معدنية صغيرة.
انحنيت وأخذتها.
كانت ميدالية مفاتيح قديمة.
وعليها حرف واحد
H
حرف H
نفس الحرف الموجود على سلسلة مفاتيح حسن القديمة.
وقتها بدأت أشك في شيء أخطر.
هل الرجل ده كان يعرف حسن فقط؟
ولا كان قريبًا منه لدرجة إنه كان يملك مفاتيحه؟
طلعت من القبو بسرعة.
ولما وصلت فوق، كان أحمد واقف قدامي وحده.
وشه كان أبيض.
بصيت له وقلت
مين الراجل ده يا أحمد؟
ما ردش.
قربت منه.
اسمه إيه؟
سكت.
ثم رفع عينه في عيني.
وقال بصوت مكسور
أمي
إيه؟
الراجل ده هو اللي كان مع أبويا في آخر يوم في حياته.
توقفت.
لكن أحمد أكمل الجملة التي قلبت كل شيء
وهو مش مجرد واحد كان يعرف أبويا
ده كان شريكه رجعت ناحية القاعة ببطء.
ما دخلتش.
وقفت ورا الباب، وفضلت أسمع.
أحمد قال بصوت مخنوق
سارة إنتي كنتي عارفة إن فيه حاجة في المخزن؟
ردت عليه بسرعة
أنا ماكنتش عارفة كل حاجة!
يعني كنتي عارفة جزء؟
سكتت.
وبعدين قالت
أحمد، إحنا لازم نمشي دلوقتي.
لكن أحمد ما تحركش.
قال
إنتي مخبية عني إيه؟
لأول مرة، سمعت الخوف الحقيقي في صوته.
دخلت القاعة.
الكل سكت.
قلت
ولا حد هيمشي.
سارة بصت لي.
جمالة
قاطعتها
من النهارده، مفيش حد هيتحرك في الموضوع ده من غير ما أعرف.
أحمد قال
ماما، أنا مش فاهم حاجة!
بصيت له طويلًا.
وأنا كمان كنت مش فاهمة.
ثم قربت منه.
لحد ما فتحت اللابتوب بتاعك.
وشه تغير.
إنتي دخلتي على اللابتوب؟
ما فتحتوش عمدًا. لقيته مفتوح.
وبعدين قلت
بس اللي شفته خلاني أدور وراكم.
أحمد نزل عينيه.
أما سارة، فبدأت تبكي.
قلت لها
البكاء مش هيغير اللي حصل.
ثم خرجت.
وصلت المزرعة قبل المغرب.
المكان كان هادي بشكل غريب.
الماشية كانت في الحظائر، والعمال خلصوا شغلهم، والهواء كان بارد.
مشيت ناحية المخزن القديم.
كان مبني من أيام حسن.
بابه الحديد كان عليه صدأ، لكن القفل كان جديدًا.
توقفت.
لمست القفل.
وقلت لنفسي
مين غيره؟
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
فتحت الباب.
ريحة تراب وحديد قديم ضربت في وشي.
شغلت النور.
في البداية،
ما شفتش حاجة غريبة.
جرارات قديمة.
صناديق قطع غيار.
أدوات حسن.
لكن بعد ثواني
لاحظت إن أحد الصناديق كان متحركًا.
الصندوق كان دايمًا في الركن الشمالي.
دلوقتي بقى على بعد متر تقريبًا من الحائط.
قربت.
سحبته.
ورا الصندوق كان فيه باب صغير في الحائط.
باب أنا عمري ما شفته.
أو بالأصح
عمري ما لاحظته.
كان عليه قفل.
لكن القفل كان مكسورًا.
فتحت الباب.
ووجدت درجًا ضيقًا ينزل تحت الأرض.
وقفت مكاني.
حسن لم يقل لي يومًا إن هناك قبوًا
تم نسخ الرابط