ابني بهدلني

لمحة نيوز

تحت المخزن.
أشعلت مصباح هاتفي ونزلت.
درجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
لحد ما وصلت لغرفة صغيرة.
وفي منتصف الغرفة كان فيه مكتب خشبي قديم.
مكتب حسن.
عرفته فورًا.
نفس الخدوش.
نفس المقبض المكسور.
نفس البقعة الداكنة على طرفه.
اقتربت منه.
كان فوقه صندوق معدني.
فتحته.
جواه صور قديمة.
خرائط.
عقود.
وخطابات.
وبين كل الأوراق
وجدت ظرفًا بنيًا مكتوبًا عليه بخط حسن
لو حصل لي حاجة جمالة لازم تعرف الحقيقة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
أول ورقة كانت تقريرًا عن ملكية الأرض.
والورقة الثانية كانت أخطر.
كانت نسخة من اتفاق قديم بين حسن وشخص آخر.
لكن الاسم الموجود في أسفل الورقة جعلني أتراجع خطوة.
نفس الاسم اللي قاله محمود.
الرجل اللي ظننته اختفى.
قلبت الورقة.
وفي ظهرها كان فيه سطر واحد كتبه حسن بخط إيده
أنا لم أمت بسبب الحادث.
توقفت أنفاسي.
قريت الجملة مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم جلست على الأرض.
أنا لم أمت بسبب الحادث.
إذن حسن كان يشك إن اللي حصل له لم يكن حادثًا.
لكن لماذا لم يخبرني؟
ولماذا أخفى هذه الأوراق؟
وقبل ما أقدر أفكر
سمعت صوت باب المخزن فوقي يُفتح.
ثم صوت خطوات.
حد دخل.
حبست أنفاسي.
الخطوات قربت من باب القبو.
ثم سمعت صوت رجل يقول
هي لسه ما اكتشفتش الورق؟
وصوت آخر رد
لأ بس لو اكتشفته، كل حاجة هتنهار.
تجمدت.
كنت وحدي تحت الأرض.
والشخصان كانا فوقي.
ثم سمعت صوتًا ثالثًا
صوت أحمد.
لازم ناخد الملف قبل ما أمي تشوفه.
وقتها فهمت
إن ابني لم يكن مجرد ضحية لخطة سارة.
كان يعرف أكثر
مما قال لي.
لكن السؤال الحقيقي كان
من كان يوجه أحمد وسارة من البداية؟بصيت لأحمد وكأني مش فاهمة كلامه.
شريك أبوك؟
هز رأسه.
أيوه.
قربت منه خطوة.
إنت عرفت ده إمتى؟
اتردد.
ثم قال
من حوالي سنة.
سنة كاملة وإنت ساكت؟
كنت خايف.
ضحكت بمرارة.
خايف مني؟
لأ خايف من اللي ممكن يحصل لو عرفتي.
حطيت الملف على المكتب.
يبقى دلوقتي هتحكيلي كل حاجة.
أحمد قعد على الكرسي.
وكان واضح لأول مرة إن ابني اللي طول عمره بيحاول يبان قوي كان مرعوب.
قال
الراجل اسمه فؤاد كامل.
الاسم وقع عليّ كأنه حجر.
فؤاد؟
أيوه.
غمضت عيني.
افتكرت حسن وهو بيرجع من اجتماعاته القديمة، ودايمًا كان بيقول إن فيه شخص لازم نبعد عنه.
لكن عمره ما قال لي الاسم.
أحمد كمل
بعد وفاة أبويا، فؤاد اختفى. وأنا لما كبرت بدأت أدور ورا بعض الأوراق القديمة.
ليه؟
عشان أعرف الحقيقة.
والحقيقة إيه؟
سكت طويلًا.
ثم قال
أبويا ماكانش مجرد مزارع.
نظرت له.
كان شريك في شركة توريد معدات زراعية قبل ما نشتري الأرض.
وبعدين؟
الشركة حصل فيها خلاف كبير. فؤاد كان عايز يبيع جزء من الأراضي اللي كانوا بيشتروا فيها معدات ويعمل عليها مشروع.
شعرت بقشعريرة.
والأرض بتاعتنا؟
كانت واحدة من الأراضي اللي عينه عليها.
هززت رأسي.
لكننا ماكناش نملك غير 200 فدان وقتها.
عارف.
يبقى إزاي؟
أحمد فتح الملف.
لأن أبويا كان بدأ يشتري الأراضي المحيطة واحدة واحدة.
نظرت إليه.
علشان يوسع المزرعة؟
ده اللي قالهولك.
توقفت.
إيه معنى كلامك؟
أحمد قال
كان فيه سبب تاني.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
صورة لحسن وفؤاد واقفين أمام بوابة المزرعة.
وخلفهم كانت اللافتة الحديدية القديمة.
لكن في الصورة
كانت اللافتة مكتوب عليها اسم مختلف.
مش مزرعة منصور.
اسم شركة.
منصور للتنمية الزراعية.
قلت
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
لأن أبويا خبّاها.
ليه؟
أحمد بص لي.
لأنه كان عارف إن فؤاد بيحاول يستولي على الأرض.
قبل ما أستوعب كلامه، سمعنا طرقًا قويًا على باب المخزن.
كان محمود.
دخل بسرعة.
وقال
جمالة، لازم نمشي من هنا
فورًا.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
أشار للملف.
لأن اللي فيه أخطر مما توقعت.
فتحته.
وأشار إلى صفحة قديمة.
بصي هنا.
قرأت.
كان فيه توقيع حسن.
وتوقيع فؤاد.
وتاريخ يعود إلى قبل وفاة حسن بشهرين.
لكن تحت التوقيعات كان فيه بند غريب.
في حالة وفاة أحد الشركاء، تنتقل إدارة الأصول المشتركة مؤقتًا إلى الطرف الآخر.
رفعت عيني.
يعني لو حسن مات
محمود أكمل
فؤاد كان ممكن يطالب بإدارة جزء من الممتلكات.
لكن العقد انتهى.
المفروض.
قالها بطريقة جعلتني أتوقف.
المفروض؟
محمود أخرج ورقة أخرى.
لأن فيه ملحق للعقد.
فتح الورقة.
وكان التوقيع موجودًا.
لكن التوقيع هذه المرة
لم يكن توقيع حسن.
كان توقيعي أنا.
تراجعت خطوة.
ده مش توقيعي.
محمود قال
عارف.
أحمد بص للورقة.
ثم قال
يبقى حد زور توقيع أمي.
سكتنا جميعًا.
ثم جاء صوت من الخارج.
صوت سيارة توقفت أمام المخزن.
محمود قرب من الشباك وبص.
ثم رجع ووشه متغير.
فؤاد رجع.
قلت
إزاي؟
قال
مش لوحده.
خرجت ناحية الباب.
ومن بعيد شفت ثلاث عربيات داخلة من البوابة.
في أول عربية كان فؤاد.
وفي الثانية
كانت سارة.
أما الثالثة فكان فيها رجلان يحملان حقائب سوداء.
بصيت لأحمد.
إنت كنت تعرف إنهم جايين؟
هز رأسه بسرعة.
لا.
لكن قبل ما نقدر نعمل أي شيء، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
جاءني صوت رجل مسن
جمالة منصور؟
أيوه.
أنا أعرف الحقيقة اللي حسن حاول يخبيها عنك.
مين حضرتك؟
قال
واحد كان موجود يوم الحادث.
سكتُّ.
ثم سألته
إنت كنت مع حسن؟
قال
أيوه.
وشفت إيه؟
صمت ثواني.
ثم قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
حسن ما ماتش في الحادث يا جمالة
هو مات قبل الحادث بساعات ماقدرتش أرد.
فضلت ماسكة التليفون وإيدي بتترعش.
يعني إيه مات قبل الحادث بساعات؟
الرجل قال
يعني العربية اللي وقعت في الحقل ماكانش جواها حسن وقت وقوع الحادث.
بصيت لمحمود.
كان واقف قدامي، ووشه اتغير.
قلت
إنت متأكد؟
كنت شغال وقتها في محطة الوقود اللي جنب الطريق. شفت حسن قبلها بساعات.
وكان معاه مين؟
سكت الرجل.
ثم قال
فؤاد.
شهقت.
أحمد
قرب مني.
ماما، مين؟
غطيت السماعة بإيدي وقلت
واحد بيقول إنه كان شاهد يوم موت أبوك.
ثم رجعت للتليفون
لو كنت شفت فؤاد مع حسن، ليه ما اتكلمتش وقتها؟
قال
اتكلمت.
مع مين؟
الشرطة.
وإيه اللي حصل؟
ضحك ضحكة حزينة.
الشهادة اختفت.
سكتُّ.
ثم سألته
ليه بتكلمني دلوقتي؟
قال
لأن فؤاد رجع.
وإنت عايز إيه؟
عايز أخلص ديني لحسن قبل ما أموت.
ثم أغلق الخط.
وقفت مشلولة

للحظات.
أحمد قال
ماما، لازم نروح للشرطة.
لكن محمود هز رأسه.
مش قبل ما نعرف إيه اللي فؤاد بيدور عليه.
قلت
هو بيدور على الملف.
بالضبط.
فتحت الملف.
وقلبت الصفحات بسرعة.
لحد ما لقيت ورقة مكتوب عليها
مشروع النهر الشرقي.
تحتها خريطة للمزرعة.
لكن فيه شيء غريب.
جزء من أرضنا كان محدد باللون الأحمر.
قلت
إيه ده؟
محمود قرب.
وبص للخريطة.
جمالة الأرض دي مش مجرد أرض زراعية.
أمال إيه؟
قال
تحتها خط مياه قديم.
أحمد اتنفس ببطء.
خط مياه؟
محمود أشار للخريطة.
مشروع حكومي قديم اتوقف قبل ما تبدأوا الزراعة هنا.
بصيت للخريطة.
كان الخط الأحمر بيمر تحت جزء كبير من ال فدان.
ثم فجأة فهمت.
عشان كده فؤاد عايز الأرض.
محمود قال
مش عشان المباني.
عشان المياه.
هز رأسه.
وممكن يكون فيه شيء تاني.
في اللحظة دي
سمعنا صوت كسر زجاج من الخارج.
اتخضينا.
ثم انقطع النور.
المخزن كله غرق في الظلام.
أحمد قال
هما دخلوا!
محمود سحبني ناحية الحائط.
سمعنا خطوات.
باب المخزن اتفتح.
صوت سارة جاء من الخارج
جمالة! إحنا مش عايزين نأذيكي!
صرخت
كدابة!
فجاء صوت فؤاد بهدوء
أنا اللي لازم أكلمك.
شغلت كشاف موبايلي.
كان واقف عند باب المخزن.
وخلفه رجلان.
بص لي وقال
بعد 22 سنة، أخيرًا الملف ظهر.
قلت
إنت قتلت حسن؟
لم يرمش.
السؤال ده مش هيفيدك.
جاوبني!
ابتسم.
حسن مات لأنه رفض يوقع.
أحمد اندفع ناحيته.
إنت قتلته؟!
أحد الرجلين أمسك أحمد.
صرخت
سيبه!
فؤاد قال
ماحدش هيموت هنا.
ثم أشار إلى الملف.
اديني الأوراق.
قلت
ولو رفضت؟
اقترب خطوة.
هتخسري المزرعة.
ضحكت.
المزرعة دي خسرت ناس أغلى منها.
بص لي طويلًا.
ثم قال
أنتِ لسه مش فاهمة.
وأخرج هاتفه.
فتح صورة.
ووضعها أمامي.
كانت صورة قديمة جدًا.
حسن كان فيها جالسًا داخل مكتب.
وأمامه شخص آخر.
لكن الشخص الآخر لم يكن فؤاد.
كان
أخي أنا.
أخويا اللي مات قبل حسن بثلاث سنين.
شهقت.
مستحيل
فؤاد قال
دلوقتي بقى عندك سبب تعرفي الحقيقة كلها.
نظرت للصورة.
ثم له.
إيه علاقة أخويا بكل ده؟
ابتسم.
دي بالضبط الورقة اللي حسن حاول يخبيها عنك.
ثم أشار إلى أحمد.
وابنك هو اللي فتح الباب من جديد.
أحمد بص له في رعب.
أنا؟
فؤاد رد
أيوه.
ثم قال الجملة
التي جعلتني أدرك إن كل اللي حصل من يوم فرح أحمد لم يكن صدفة
أنا ما اخترتش أحمد عشان المزرعة أنا اخترته لأنه ابن حسن اتجمدت وأنا ببص لفؤاد.
اختارت أحمد؟
ابتسم ابتسامة باردة.
من أول ما اتعرفت عليه.
أحمد هز رأسه بعنف.
أنا عمري ما شفتك قبل السنة اللي فاتت!
وده اللي كنت عايزك تصدقه.
سارة بدأت تبكي.
فؤاد، كفاية.
التفت لها.
إنتي مالك؟
سارة سكتت.
فؤاد رجع يبص لي.
ابنك كان محتاج حد يفتح له الباب. وأنا كنت محتاج شخص عنده سبب يخليه يكره أمه.
أحمد صرخ
أنا عمري ما كرهت أمي!
فؤاد قال
لكني خليتك تصدق إنها بتحرمك من حقك.
ثم أشار للمزرعة.
كل مرة كانت تمنعك من حاجة، كنت أقول لك إنها بتخبي عنك الحقيقة.
بصيت لأحمد.
هو اللي كان بيكلمك؟
أحمد نزل عينيه.
أيوه.
قلبي وجعني.
من إمتى؟
من حوالي سنة.
وكل الكلام اللي كنت بتقوله لي عن إن المزرعة لازم تتقسم
سكت.
كان منه؟
هز رأسه.
أيوه.
سارة انفجرت
وأنا كمان!
الكل بص لها.
قالت وهي بتبكي
أنا غلطت بس ماكنتش عارفة إنه كان ناوي يأذيكي.
فؤاد صرخ
اخرسي!
لكن سارة كملت
هو اللي أقنعني إن جمالة هتسلّمنا الأرض لو ضغطنا عليها.
بصيت لها.
وعشان كده طردتيني من فرح ابني؟
خفضت رأسها.
كنت عايزة أخلي أحمد يصدق إنك بتكرهيه.
أحمد قرب مني.
ماما
رفعت إيدي.
ما تقولش حاجة دلوقتي.
كنت محتاجة أسمع الحقيقة كاملة.
فؤاد قال
انتهى الكلام.
ومد إيده ناحية الملف.
لكن محمود وقف قدامه.
خطوة واحدة كمان، وأنا هبلغ الشرطة.
فؤاد ضحك.
اتصل.
ثم أشار إلى أحمد.
قبل ما الشرطة توصل، اسأله عن الورقة اللي وقعها.
التفت لأحمد.
إيه الورقة؟
أحمد بدأ يتلعثم.
أنا
قول!
أخرج من جيبه ورقة مطوية.
ناولها لي.
فتحتها.
كانت اتفاقية لإدارة المزرعة.
وفي أسفلها توقيع أحمد.
لكن تحت توقيعه كان فيه بند
في حالة عجز جمالة منصور عن إدارة ممتلكاتها، تنتقل سلطة الإدارة إلى أحمد منصور.
نظرت لأحمد.
إمتى وقعت ده؟
من شهرين.
وإنت كنت فاهم إن دي ورقة إدارة؟
أيوه.
فؤاد قال
لأنه ماقرأش الصفحة الأخيرة.
فتحت الصفحة.
وهنا ظهر البند الأخطر.
ويحق للمدير بيع أو رهن أو تقسيم أي أصل يراه ضروريًا.
رفعت الورقة.
دي مش إدارة.
فؤاد ابتسم.
بالضبط.
أحمد قرب مني.
ماما، والله ما كنت أعرف.
نظرت له.
لكنك وقعت.
سكت.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت
تم نسخ الرابط