قبل فرحي

لمحة نيوز

كان قاعد عليه قبل دقائق.
مشيت ناحيته ببطء.
أحمد ناداني
مريم، استني!
ما وقفتش.
وصلت للكرسي وفكيت الحزام.
وتحت المقعد لقيت ظرفًا أبيض صغيرًا.
كان مكتوب عليه بخط واضح
إلى مريم فقط.
قلبي دق أسرع.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها
لو وصلتي للرحلة دي، يبقى الخطة الأولى فشلت.
رفعت عيني.
سارة كانت واقفة بعيد، ووشها شاحب.
قلت
إنتِ عارفة الرسالة دي؟
هزت رأسها بسرعة.
لا.
أحمد قرب مني.
وريني.
ضمّيت الورقة لإيدي.
مش دلوقتي.
لأول مرة، أحمد بان عليه الخوف الحقيقي.
مش خوف من إنّي أكتشف حاجة بينه وبين سارة.
لكن خوف من شيء تاني تمامًا.
رجعت أكمل القراءة.
أبوكِ كان يعرف إن اليوم ده هييجي.
ما تصدقيش أي حد يقولك إن ماضي عيلتك انتهى.
اتنفست ببطء.
أبويا؟
ليه الرسالة بتتكلم عن أبويا؟
كان والدي متوفي من سبع سنين، وعمري ما سمعت منه عن أي سر كبير.
قلبت الورقة.
في ظهرها كان فيه عنوان.
عنوان بيت قديم في منطقة ما أعرفهاش.
وتحت العنوان جملة واحدة
المفتاح 17 يفتح الباب، لكنه لا يفتح الحقيقة.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
ثم للعنوان.
سارة قربت مني.
مريم، لازم نرجع لمكاننا.
ليه؟
لأن الكابتن قال إن في حاجة بتحصل في الطائرة.
قبل ما تشرح، جاء صوت أحد أفراد الطاقم
مريم، الكابتن محتاجك فورًا.
روحت للمقدمة.
لقيت الكابتن واقف جنب جهاز الاتصال.
قال
عندنا مشكلة.
إيه؟
تلقينا رسالة من الأرض.
من مين؟
ناولني الورقة.
قرأت الاسم.
والدة أحمد.
اتصلت بها فورًا.
ردت بصوت متوتر
مريم؟
أيوه يا طنط.
سكتت ثواني.
ثم قالت
أحمد معاكِ؟
بصيت ناحية أحمد.
أيوه.
صوتها اتغير.
خليه بعيد عنك.
اتجمدت.
ليه؟
قالت بسرعة
لأن أحمد مش هو الشخص اللي لازم تخافي منه.
أمال أخاف من مين؟
ما ردتش.
سمعت صوتًا في الخلفية.
وبعدين الخط اتقطع.
حاولت أتصل تاني.
مفيش رد.
رجعت لأحمد.
كان واقف في آخر الممر.
قلت له
والدتك اتصلت.
وشه اتغير.
قالت إيه؟
قالتلي أبعد عنك.
سكت.
ثم قال
كانت هتقول كده.
إنت عارف؟
هز رأسه.
أيوه.
من إمتى؟
قبل ما يرد، سارة ظهرت فجأة.
مريم، لازم تسمعيني.
بصيت لها.
اتفضلي.
قالت
أنا وأحمد مش بنخبي عنك علاقة.
عارفة.
لا إنتِ مش فاهمة.
قربت مني وقالت
إحنا بنخبي عنك إننا بنحاول نحميكي.
ضحكت من غير ما أحس.
تحموني من مين؟
سارة بصت حواليها.
ثم همست
من الشخص اللي كان بيتابعك من وإنتِ صغيرة.
سكتُّ.
مين؟
وقبل ما تجاوب
جاء صوت ارتطام من الخلف.
التفتنا جميعًا.
الراكب الكبير اللي كان تعبان وقع مرة تانية.
لكن المرة دي، قبل ما حد يوصل له، فتح عينيه وقال بصوت ضعيف
افتحوا الخزانة رقم 17.
الكابتن
قرب منه.
مفيش خزانة رقم 17 في الطائرة.
الرجل ابتسم ابتسامة غريبة.
أنا مش بتكلم عن الطائرة.
بص لي.
المفتاح معاكِ.
مسكت المفتاح بقوة.
أفتح إيه؟
قال
لما تهبطوا روحي للمكان المكتوب في الورقة.
وبعدين سكت.
فحصه الدكتور بسرعة.
كان فاقد الوعي.
بصيت لأحمد.
هو يعرفني منين؟
أحمد قال
لأنه كان واحد من الناس اللي أبوكي وثق فيهم.
اتسعت عيناي.
إنت كنت تعرفه قبل النهارده؟
سكت.
أحمد!
قال أخيرًا
أيوه.
وإنت ليه ما قلتليش؟
لأن أبوكي طلب مني ما أقولكيش.
الجملة نزلت عليّ كالصاعقة.
أبويا؟
هز رأسه.
أبوكي كلمني قبل وفاته بأسبوع.
وقالك إيه؟
أحمد بص لسارة.
ثم قال
قال لي إن لو حصل أي شيء غريب قبل فرحك، ما أسيبكيش لوحدك.
بصيت له.
وإيه الحاجة الغريبة اللي كان خايف منها؟
ما لحقش يرد.
فجأة، اشتغل جرس التنبيه.
وأعلن الكابتن
استعدوا هنبدأ إجراءات الهبوط.
نظرت من النافذة.
الأرض بدأت تقرب.
لكن في اللحظة دي، وصلتني رسالة على تليفوني.
رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة جديدة.
صورة للبيت القديم المكتوب عنوانه في الورقة.
وتحتها جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين أبوكي كان بيحاول يحميكي منه افتحي الباب قبل منتصف الليل.
رفعت عيني عن الشاشة.
وأول ما بصيت ناحية أحمد
لقيته بيبص للتليفون.
ووشه اتغير.
قال بصوت منخفض
الرسالة وصلت لك؟
أيوه.
سكت ثواني.
ثم قال
يبقى للأسف هم عرفوا إنك عرفتي أول ما أحمد قال الجملة دي، حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
هم مين؟
أحمد ما ردش.
قربت منه خطوة.
أنا بسألك هم مين؟
سارة دخلت بينا وقالت
مش هنا يا مريم.
لأ، هنا.
رفعت صوتي لأول مرة
أنا تعبت من كلمة مش هنا! من أول الرحلة وإنتوا بتقولوا لي استني، وبعدها، لما نهبط، لما نرجع أنا عايزة أعرف دلوقتي!
سارة بصت لأحمد.
وأحمد أخد نفسًا طويلًا.
أبوكي كان عنده أمانة.
أمانة إيه؟
ملف.
الملف الأسود؟
هز رأسه.
أيوه.
بصيت ناحية الشنطة الزرقا.
بس الملف كان موجود.
أحمد قال
لأ.
اتجمدت.
يعني إيه لأ؟
الملف اللي لقيتيه كان نسخة.
سارة قالت بسرعة
النسخة دي اتعملت عشان نعرف إذا كان حد وصل للملف الأصلي.
والملف الأصلي فين؟
أحمد بص في عيني.
محدش يعرف.
سكتنا لحظات.
ثم قلت
وأبويا كان مخبيه ليه؟
أحمد رد
لأنه كان متعلق بحاجة تخص عيلتك.
إيه؟
قبل ما يجاوب، هبطت الطائرة.
بمجرد ما فتحت الأبواب، بدأت إجراءات نزول الركاب.
لكن الكابتن استوقفني.
مريم، قبل ما تنزلي في شخص مستنيك.
بصيت له باستغراب.
مين؟
أشار ناحية باب الخدمة.
دخلت غرفة صغيرة.
لقيت رجلًا في الخمسينات واقف هناك.
لابس بدلة رمادية، وفي إيده حقيبة جلدية.
أول ما شافني، قال
مريم حسام؟
أيوه.
مد لي بطاقة.
أنا المستشار فؤاد. كنت شريك والدك في آخر مشروع له.
اتصدمت.
أبويا كان له شريك؟
ابتسم بحزن.
كان عنده شريك في حاجة أكبر من المشروع.
ثم بص ناحية الباب.
وأحمد وسارة كانوا عارفين إني هنا.
بصيت لهم.
إنتوا تعرفوه؟
أحمد قال
أيوه.
قلت
طيب ليه محدش قالي؟
فؤاد رد بدلًا منه
لأن والدك طلب منهم يحموا السر لحد يوم زفافك.
ليه يوم زفافي تحديدًا؟
فؤاد حط الحقيبة على الطاولة.
لأن في يوم زفافك، هتنتقل ملكية شيء مهم جدًا باسمك.
فتحت عيني.
ملكية إيه؟
بيت.
ضحكت من شدة التوتر.
بيت؟
البيت اللي في الصورة.
صمتُّ.
فؤاد فتح الحقيبة.
أخرج مجموعة أوراق.
البيت ده مسجل باسم والدك من أكتر من عشرين سنة.
طيب ليه أنا أول مرة أسمع عنه؟
لأنه لم يكن يريدك أن تعرفي عنه.
وإيه اللي جواه؟
فؤاد سكت.
ثم قال
السبب اللي خلى والدك يبعدك عن كل الموضوع ده.
أحمد تدخل
مريم، كفاية لحد هنا.
بصيت له.
لأ.
ثم وجهت كلامي لفؤاد
أنا رايحة البيت.
قال فورًا
لوحدك؟
أيوه.
أحمد قال
مستحيل.
إنت مش هتقرر عني.
فؤاد هز رأسه.
أبوكي كان متوقع إنك تقولي كده.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
وقال لي أسلمهولك بعد هبوطك مباشرة.
أخذته.
كان مكتوبًا عليه
مريم افتحيه لما تكوني مستعدة تسمعي الحقيقة كاملة.
فتحت الظرف.
جواه ورقة قصيرة بخط أبي.
عرفت الخط فورًا.
إيدي بدأت ترتعش.
كان مكتوب
بنتي مريم، لو وصلتي للرسالة دي، فمعناه إن في حاجات اتأخرت عن وقتها. أنا ما كنتش بخبي عنك الماضي عشان أخدعك كنت بحاول أحمي مستقبلك. لكن في سر واحد ما قدرتش أحميه للأبد.
توقفت عن القراءة.
لأن آخر سطر كان
الشخص اللي هتلاقيه داخل البيت هو الوحيد اللي يعرف ليه أنا عملت كل ده.
رفعت عيني.
مين الشخص؟
فؤاد قال
ما أعرفش.
أحمد قال
أنا أعرف.
بصيت له.
مين؟
سكت طويلًا.
ثم قال
الشخص ده اختفى من حياتنا من أكتر من عشرين سنة.
اسمه إيه؟
أحمد قرب مني وقال
اسمه سامح.
الاسم ما كانش غريبًا عليّ.
لكنّي ما كنتش عارفة ليه.
خرجنا من المطار بعد وقت قصير.
وفي الطريق، كنت ماسكة الظرف بقوة.
أحمد وسارة كانوا معايا.
مش لأنّي وثقت فيهم تمامًا
لكن لأنّي بدأت أدرك إنهم بالفعل كانوا بيحاولوا يحموني من شيء أكبر.
وصلنا للعنوان.
كان بيتًا قديمًا، مهجورًا تقريبًا.
الباب الخشبي كان عليه رقم صغير
17
طلعت المفتاح.
دخلته في القفل.
قبل ما ألفه، سمعت صوتًا من الداخل.
صوت رجل.
مريم
تجمدت.
أحمد مسك ذراعي.
استني.
لكن الصوت اتكرر
مريم أنا مستنيكي من سنين.
نظرت لأحمد.
ثم لسارة.
لفيت المفتاح.
الباب بدأ يفتح ببطء.
وأول ما فتحناه
ظهر رجل واقف في نهاية الممر.
رجل في الستينات تقريبًا.
بص لي طويلًا.
ثم قال
أخيرًا رجعتي يا بنت أخويا.
تجمدت مكاني.
بنت أخوك؟
الرجل ابتسم بحزن.
أيوه.
وبعدين أضاف
أبوكي ما قالكيش إن ليه أخ لأن أخوه الحقيقي مات من عشرين سنة.
نظرت له وأنا
عاجزة عن الكلام.
فقال
وأنا الشخص اللي كان أبوكي بيحاول يخبيكي عنه طول عمرك.
وفجأة
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم صوت باب سيارة بيتقفل بعنف.
أحمد بص من النافذة.
وشه اتغير.
مريم
إيه؟
قال
إحنا مش لوحدنا أحمد ما كملش الجملة.
قرب من الشباك وبص بحذر.
في عربية سودا وقفت قدام البيت.
سارة راحت ناحية الستارة.
بصت من فتحة صغيرة، وبعدها رجعت بسرعة.
مش عربية واحدة في عربيتين.
الرجل اللي قابلناه عند الباب ما اتحركش.
كان واقف في آخر الممر، ووشه هادي بشكل غريب.
قلت له
مين دول؟
رد
ناس كانوا مستنيين اليوم ده أكتر مني.
وإنت عرفت إنهم جايين إزاي؟
ابتسم.
لأنهم دايمًا بيوصلوا قبل ما الحقيقة تظهر.
أحمد قفل الباب بسرعة.
لازم نتحرك.
بصيت له.
نتحرك لفين؟
الرجل أشار للداخل.
للغرفة اللي في آخر الممر.
دخلنا.
كانت الغرفة مليانة صناديق قديمة وملفات.
وفوق المكتب صورة كبيرة لأبويا.
وقفت قدامها.
هو كان بييجي هنا؟
الرجل قال
كل شهر.
لوحده؟
أحيانًا.
بصيت له.
ومع مين؟
سكت.
قلت
أنا عايزة الحقيقة كلها.
الرجل قرب من المكتب وفتح درجًا سريًا.
أخرج منه دفترًا قديمًا.
ده كان بتاع أبوكي.
مدهولي.
فتحت أول صفحة.
كان فيها تاريخ قبل ولادتي بسنتين.
وتحت التاريخ جملة
بدأت المشكلة يوم اختفاء سامح.
رفعت عيني.
سامح؟
الرجل قال
الاسم اللي سمعتيه مش اسمي.
اتجمدت.
يعني إيه؟
أنا اسمي الحقيقي فؤاد.
بصيت لأحمد.
ثم للرجل.
بس الراجل اللي في المطار قال إن اسمه فؤاد.
الرجل ابتسم.
يبقى قابلتي الشخص الغلط.
سكت الجميع.
وفجأة سمعنا خبطًا قويًا على الباب.
مرة.
مرتين.
ثم صوت رجل من الخارج
افتحوا
تم نسخ الرابط