في ليلة فرحي
في ليلة فرحي، حماتي رمت قدامي جردل فيه الغسيل الداخلي الوسخ بتاع كل رجالة العيلة وقالتلي
من النهارده إنتِ مرات ابني يبقى دورك تغسليه.
رفضت فجوزي ضربني قدامها.
أنا ما صرختش، وما عيطتش.
مسكت شنطتي، واتصلت بمحاميّي من غير ما أقول لهم أنا مين بجد.
في البيت ده، الست بتخدم الرجالة. لو الكلام ده مش عاجبك، لسه قدامك فرصة تلمّي حاجتك وتمشي.
دي كانت أول جملة حماتي قالتها لي على انفراد، بعد فرحي بكام ساعة بس.
كنت لسه بفستان الفرح، لما حماتي، الحاجة سناء، دخلت الأوضة من غير حتى ما تخبط، وهي بتجر وراها جردل أزرق وحطته قدامي.
بصيت جواه
مية لونها رمادي، شوية صابون رخيص، وغسيل داخلي بتاع جوزي، وحماه، وأخوه.
قالت بمنتهى البرود
اغسليه بإيدك. إحنا هنا مش بنضيّع كهربا على حاجات تافهة. وبكرة تصحي من بدري تعملي الفطار للرجالة.
افتكرت إنها بتهزر.
بصيت لها وقلت
يا طنط سناء، أنا النهارده اتجوزت ابنك مش اتعيّنت خدامة في البيت.
وشها اتقلب في لحظة.
بس الحقيقة إن عيلة المنشاوي كلها كانت فاكراني طول السنتين اللي فاتوا مجرد سارة محمود، بنت يتيمة شغالة موظفة إدارية وعايشة في شقة إيجار متواضعة في شبرا.
ماكنتش قلت لهم حقيقتي.
ماحدش فيهم كان يعرف إن سارة الموظفة الغلبانة اللي هما شايفينها، كانت في الحقيقة صاحبة ورئيسة مجلس إدارة شركة استثمار ضخمة، بتدير أصول واستثمارات بمليارات الجنيهات.
كنت عايزة أعرف حاجة واحدة بس
هل ممكن حد يحبني عشان أنا مش عشان الفلوس اللي ورايا؟
جوزي كريم كان طول الوقت باين إنه نجح في الاختبار.
أو ده اللي كنت فاكرة.
كريم دخل الأوضة بعد ما سمع صوت أمه وهي بتزعق.
قالت له
شوف مراتك بتكلمني إزاي! رافضة تساعد أهل جوزها!
كريم بص للجردل، وبعدين بص لي.
وقال بمنتهى الهدوء
سارة، اسمعي كلام أمي. خلينا من أول ليلة ما نعملش مشاكل.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
يعني عايزني أغسل الغسيل الداخلي بتاع أبوك وأخوك؟
رد بمنتهى البساطة
أمي كانت بتعمل كده طول عمرها دلوقتي دورك إنتِ.
اتصدمت.
وبعدين قلت له
يبقى اعمله إنت.
حماتي شهقت كأني شتمتها.
إنتِ بتردي على جوزك كده؟!
وبعدين بصت لكريم وقالت
حطها عند حدها يا ابني! الست دي محتاجة تتربى!
كريم كان شارب.
بان في عينيه قبل حتى ما يتحرك.
قرب مني، ومسك دراعي جامد لدرجة إني فقدت توازني.
إوعي تتكلمي مع أمي بالطريقة دي تاني.
قلت له
سيب إيدي.
لكنه ما سابنيش.
بالعكس
رفع إيده وضربني بالقلم.
اتخبطت في طرف السرير، وحسيت بطعم الدم في بقي.
وللحظة، كل حاجة حواليّ سكتت.
لكن اللي كسر قلبي مش الضربة
كانت جملة حماتي.
ابتسمت وقالت بمنتهى الرضا
كده الست تتعلم الأدب.
ماعيطتش.
ماصرختش.
حتى إني ماحاولتش أجادل.
بصيت لكريم بس.
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة.
الراجل الحنين اللي عشته معاه سنتين ماكانش موجود أصلاً.
كان مجرد دور بيمثله.
ميلت ناحية الجردل.
حماتي ابتسمت، وكانت فاكرة إني أخيرًا استسلمت.
لكن بدل ما ألمس الغسيل
مسكت الجردل بإيدي الاتنين.
ورميته
كله عليه.
المية الوسخة والغسيل اتكبوا على كريم من فوق لتحت.
وقف مكانه مشلول من الصدمة.
وأنا بصيت له في عينه وقلت بهدوء
دي آخر مرة تمد إيدك عليّا.
مسكت شنطتي.
خدت اللابتوب بتاعي.
وخرجت من الأوضة.
كريم جري ورايا لحد باب الشقة.
إنتِ اللي خسرانة! امشي!
وبصوت أعلى قال
روحي شوفي هتعيشي إزاي من غيري! أسبوع واحد وهترجعيلي تترجيني!
وقفت على السلم، وبصيت له نظرة أخيرة.
وما رديتش.
نزلت للشارع وطلبت عربية.
وأنا راكبة، سمعت صوته من فوق وهو بيزعق
وبعدين راجعة على فين؟ إنتِ أصلاً مش معاكي فلوس تعيشي بيها!
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأني لأول مرة من ساعة ما دخلت العيلة دي
كنت عارفة بالضبط أنا رايحة فين.
العربية اتحركت ناحية شقتي الحقيقية في التجمع الخامس.
فتحت اللابتوب، ودخلت على ملف كنت متابعاه من فترة.
شركة كريم الناشئة، نوفا تك، كانت بقالها ست شهور بتحاول بكل الطرق تحصل على استثمار بقيمة 120 مليون جنيه.
وكانت الصفقة أخيرًا وصلت لمرحلة الموافقة النهائية.
والصندوق الاستثماري اللي كان على وشك يحوّل لهم المبلغ
كان صندوقي أنا.
قعدت أبص على الشاشة وأنا ساكتة.
كريم كان فاكر إنه ضرب مراته الغلبانة وطردها من بيته.
لكن الحقيقة؟
هو ماكانش عارف إنه في الليلة دي خسر مراته
وخسر الشخص الوحيد اللي كان قادر ينقذ شركته من الانهيار.
والأسوأ من كده؟
إنه لسه مايعرفش أنا مين بجد.
وماكانش عنده أي فكرة إن اللي حصل في ليلة فرحنا كان مجرد بداية.
وصلت شقتي الحقيقية قبل الفجر بدقائق.
قفلت الباب ورايا، وحطيت شنطتي على الأرض، وبصيت في المراية.
أثر الضربة كان لسه واضح على وشي.
لمست خدي بإيدي، لكن المرة دي ماحسيتش بالضعف.
حسيت بحاجة تانية
الغضب.
فتحت اللابتوب، وسجلت دخولي على النظام الخاص بالصندوق الاستثماري.
ظهر قدامي ملف نوفا تك.
ضغطت على آخر مستند في الصفقة.
كان فيه زر واحد بس لسه مستني موافقتي
اعتماد التمويل 120000000 جنيه.
حطيت إيدي على الماوس.
ثواني
وبعدين قفلت الملف من غير ما أضغط.
مش دلوقتي.
لأني فجأة افتكرت حاجة.
قبل الجواز بأسبوعين، كريم كان قالي إن شركته داخلة على أكبر صفقة في تاريخها.
وقتها سألته
ولو الصفقة فشلت؟
ضحك وقال
مستحيل تفشل أنا عامل حسابي على كل حاجة.
لكن واضح إنه ماكانش عامل حسابه على حاجة واحدة
إن المستثمر اللي هيقرر مصير شركته هو مراته.
في الصبح، صحيت على عشرات المكالمات.
كلها من رقم كريم.
ما رديتش.
بعدها وصلتني رسالة
سارة، ارجعي البيت ونتفاهم. اللي حصل امبارح مش هيكبر للدرجة دي.
ضحكت بسخرية.
وبعدها وصلت رسالة تانية
أمي متضايقة منك، بس أنا أقدر أصلح الموضوع.
ثم رسالة ثالثة
لو رجعتي النهارده، هنعتبر اللي حصل سوء تفاهم.
مسحت الرسائل.
لكن بعدها بدقائق، وصلني إيميل من المدير المالي لشركتي
أستاذة سارة، محتاجين تأكيدك بخصوص اجتماع نوفا تك اليوم. فريقهم بالكامل هيحضر، وكريم المنشاوي بنفسه هيكون موجود.
ابتسمت.
وكتبت له
أكد الاجتماع.
ثم أضفت جملة واحدة
لكن محدش
يبلغهم إن أنا صاحبة القرار.
في نفس الوقت
كان كريم داخل مقر شركته، وسط فريقه، ووشه متوتر.
المدير المالي قرب منه وقال
كريم، في خبر كويس وخبر مش كويس.
كريم سأله
قول الكويس الأول.
المستثمر وافق مبدئيًا على التمويل.
تنفس كريم براحة.
الحمد لله.
المدير سكت لحظة، وبعدين قال
بس طلبوا اجتماع نهائي مع رئيسة مجلس إدارة الصندوق شخصيًا.
كريم عقد حاجبيه.
مين هي؟
المدير هز كتفه
محدش شافها قبل كده.
كريم ابتسم بثقة وقال
بسيطة أقنعها.
ثم أضاف
بعد الاجتماع ده، الشركة هتتغير حياتها.
هو ماكانش يعرف
إن الاجتماع اللي مستنيه بفارغ الصبر
هو نفس الاجتماع اللي مراته هي اللي هتدخل عليه.
والأغرب؟
إن كريم كان لسه فاكر إن سارة خرجت من حياته نهائيًا.
لكن في نفس اللحظة، كنت أنا واقفة قدام المرآة، بلبس بدلة رسمية، وبقفل أزرار الجاكت.
بصيت لنفسي وقلت
النهارده مش هروح عشان أنتقم منه
سكت لحظة.
هروح عشان يعرف مين الست اللي ضربها وطردها من بيته.
وبمجرد ما فتحت باب المكتب
كان فريق الحراسة مستنيني.
والسكرتيرة قالت
العربية جاهزة يا أستاذة سارة.
ركبت العربية.
وقبل ما الباب يتقفل، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل متوتر
مدام سارة لازم تعرفي حاجة قبل الاجتماع.
سألته
إيه؟
قال
راجعنا حسابات شركة كريم آخر مرة
وسكت.
ولقينا تحويلات كبيرة خرجت من الشركة قبل موعد التمويل بأيام.
سألته بحدة
راحت فين؟
قال
دي المشكلة
التحويلات كلها راحت لشركة مرتبطة باسم من عيلة المنشاوي.
اتجمدت مكاني.
اسم الشركة إيه؟
قال الاسم.
وأنا أول ما سمعته
عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من إهانة ليلة فرحي.
لأن الاسم ده
أنا شوفته قبل كده في ملف تاني.
ملف كنت فاكرة إنه ملوش أي علاقة بكريم.
لكن دلوقتي
بدأت الخيوط كلها تتجمع قدامي فضلت ساكتة ثواني، وأنا ماسكة الموبايل بإيدي.
إنت متأكد من الاسم؟
صوت المدير المالي جالي متوتر
متأكد يا أستاذة سارة. وراجعت المستندات بنفسي.
قفلت المكالمة.
فتحت اللابتوب بسرعة، ودخلت على قاعدة البيانات الخاصة بالصندوق.
كتبت اسم الشركة اللي قاله.
ظهرت قدامي عشرات الملفات.
لكن ملف واحد شد انتباهي.
شركة المنشاوي للتوريدات.
فتحت الملف.
وفجأة، لقيت اسمًا مألوفًا جدًا.
حسام المنشاوي.
والد كريم.
رجعت في الكرسي ببطء.
يعني الفلوس اللي كريم كان بيحاول يقنعني إن شركته محتاجاها عشان تتوسع
جزء منها كان بيتحرك أصلًا ناحية شركة والده؟
لكن ليه؟
وقبل ما ألحق أكمل، وصلني إشعار جديد.
تم تعديل مستند من ملف نوفا تك منذ 17 دقيقة.
فتحت سجل التعديلات.
آخر شخص دخل على الملف كان
كريم المنشاوي.
ابتسمت بسخرية.
واضح إنك مستعجل يا كريم.
وصلنا مقر الشركة.
أول ما نزلت من العربية، فريق الاستقبال وقف باحترام.
المدير التنفيذي خرج بنفسه يستقبلني.
صباح الخير يا أستاذة سارة.
دخلنا المبنى.
وفي اللحظة نفسها، كان كريم واقف في قاعة الاجتماعات، لابس بدلته، وبيتكلم بثقة قدام فريقه.
أول ما المستثمر يدخل، محدش يتكلم غيري.
المدير
المالي سأله
ولو سألت عن التفاصيل؟
أنا أجاوب.
وبعدين ابتسم
دي فرصتنا الأخيرة.
الباب اتفتح.
كل الموجودين وقفوا.
دخلت القاعة بهدوء.
كريم كان واقف وظهره للباب.
قال من غير ما يلتفت
أهلًا بحضرتك، كنا منتظرين الاجتماع ده من فترة طويلة.
حطيت الملف على الطاولة.
وأنا كمان.
صوته توقف.
لأنه عرف صوتي.
ببطء شديد
لف وشه.
وعينيه اتسعت.
سارة؟!
ولا حد في القاعة فهم إيه اللي حصل.
كريم بص للمدير التنفيذي، وبعدين رجع بص لي.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قعدت على الكرسي في صدر الطاولة.
الاجتماع اللي كنت مستنيه.
سكت.
وبعدين قلت
أنا صاحبة الصندوق اللي هيقرر إذا كانت شركتك هتاخد ال مليون جنيه ولا لأ.
وشه شحب.
المدير المالي للشركة قرب منه وهمس
إنت تعرفها؟
كريم ما ردش.
كان لسه بيبصلي وكأنه شايفني لأول مرة.
قلت بهدوء
اتفضل يا أستاذ كريم اقعد.
قعد.
إيده كانت بتترعش.
فتحت أول ملف.
قبل ما نتكلم عن التمويل، عندي شوية أسئلة.
قال
طبعًا.
حطيت قدامه أول مستند.
التحويل ده راح لشركة والدك ليه؟
سكت.
حطيت المستند التاني.
وده؟
سكت أكتر.
ثم رفعت عيني له.
وآخر حاجة